فلسطين 1948 - الهزيمة
أصبح تدخل الجيوش العربية ، بعد جلاء البريطانيين، ممكنا من الناحية السياسية الدولية .. و قد أعلنت بريطانيا جلاءها في 14 أيار 1948 .. و كان هذا التاريخ هو المناسب لتدخل الجيوش العربية ..
و كان قد تقرر في اجتماع القيادة العسكرية العربية في عمان دخول الجيوش في 15 أيار 1948 حسب البرنامج التالي :
الجيش السوري بقيادة اللواء عبد الله عطفة : و مهمته الدخول من رأس الناقورة في جنوب لبنان متجها الى الجنوب و مستهدفا مدينتي حيفا و يافا على الشريط الساحلي. و قد عين اللواء عطفة العقيد عبد الوهاب الحكيم قائدا للرال المهاجم.
الجيش العراقي : و قد كان أقوى الجيوش على الاطلاق ، عهد اليه الدخول من سهل بيسان باتجاه الناصرة و تأمين الاتصال مع الجيش السوري في الشمال ، و تأمين اتصال آخر مع الجيش الأردني في منطقة أريحا و المثلث.
الجيش المصري : كانت مهمته الدخول من الجنوب الى قطاع غزة و بئر السبع شرقا و الاتصال بمنطقة الجيش الأردني و شمالا باتجاه تل أبيب.
أما الجيش اللبناني فكانت مهمته مشاغلة العدو على الحدود.
اتجه الرتل السوري بقيادة العقيد عبد الوهاب الحكيم الى منطقة رأس الناقورة في لبنان لتنفيذ المهمة مساء 15 أيار.. لكن أمرا صدر عن القيادة العامة في عمان بتغيير الخطة المرسومة .. و طلب من الجيش السوري العودة الى سوريا و الدخول فورا في مهمة هجومية في منطقة طبريا و تجاوز نهر الشريعة الى مرتفعات الجليل الجنوبية !!!
رغم ذلك .. نفذ الجيش السوري الخطة و عاد الى سوريا .. و انطلق في ليل 15 - 16 أيار في هجوم من الحركة و استمر في المعركة ... و كانت تجري في أصعب أرض .. في وادي الانهدام ... نجح فوج من الأفواج السورية الثلاثة بتنفيذ المهمة بنجاح .. و اضطر الفوجان الآخران الى التخلي عن بعض الأراضي التي احتلوها .. مما دفع قيادة الجيش السوري الى استبدال العقيد الحكيم.. و استلم قيادة العمليات في الجبهة الزعيم (العميد) حسني الزعيم.
انه مما لا شك فيه أن تبديل خطة الرتل السوري كان مسيئا جدا ... فالرتل كان قد درس أرض المعركة و درس أوضاع العدو فيها و هيأ نفسه للاشتباك .. فتم نقله فجأة ليحارب في واد تصعب الحركة فيه أمام عدو متمركز دفاعيا و بقوة و الدخول في معركة مباشرة و ليلا .. ان تبديل الخطة الذي صدر عن الملك عبد الله في عمان (و فعليا عن غلوب باشا قائد جيشه الانكليزي) دليل عن خطأ جسيم .. يصل الى مرتبة الخيانة.
الجيش اللبناني بقي على الشريط الحدودي للبنان .. و شاغل العدو
الجيش المصري .. الذي دخل المعركة بضغط من الملك فاروق على النقراشي باشا رئيس الحكومة و على قيادة جيشه التي لم تكن راغبة في الاشتراك .. فقد تعطلت حركته أمام الفالوجا .. و قد أوفد الرئيس شكري القوتلي مرافقه العسكري الى بغداد بمهمة مقابلة الأمير عبد الاله و وزير دفاعه .. ليطلب اليهم اصدار الأوامر للجيش العراقي بفك الحصار عن الجيش المصري .. لكنهما اعتذرا عن القيام بذلك..
الجيش الأردني ركز على أمرين : الحفاظ على القدس الشرقية .. و محاولة الاحتفاظ بالأراضي الفلسطينية التي كان الملك عبد الله يرغب في ضمها الى مملكته ...
أما اتصاله بالجيش العراقي شمالا .. و مع الجيش المصري جنوبا .. فلم يحصل و ذلك لسببين :
1. الجيش العراقي وصل الى منطقة الانطلاق أمام فجوة بيسان و بقي فيها لا يتحرك .. بحجة انه ماكو أوامر
2. الجيش المصري لم يتحرك بعيدا عن غزة لوقوعه في فخ الحصار .. و حتى لو كان تحرك .. لما عنى ذلك شيئا للقيادة في عمان (الملك عبد الله و غلوب باشا) ..
أما الجيش العراقي فقد وصل الى أرض المعركة في المنطقة الواقعة جنوب غربي مدينة اربد .. و لم يتحرك منها نحو فجوة بيسان .. مدعيا بأن مستعمرة "جيشر" تعيق تقدمه حينا .. و أن ماكو أوامر حينا آخر ..
في هذه الجواء طلب الرئيس القوتلي انعقاد مجلس الجامعة العربية على مستوى عال .. و انعقد بعد مداولات طويلة تحت خيام كبيرة على الحدود السورية الأردنية (حيث مبنى الجمارك السورية اليوم) .. و قد حضر هذا الاجتماع الرئيس القوتلي .. و الرئيس اللبناني بشارة الخوري و الملك الأردني عبد الله و الأمير محمد علي عم ملك مصر و الأمير سعود ولي عهد المملكة العربية السعودية و الأمير عبد الاله الوصي على عرش العراق و الجنرال غلوب قائد الجيش الأردني .. و الزعيم عبد الله عطفة قائد الجيش السوري و الفريق طه الهاشمي المكلف من الجامعة العربية بالاشراف على القوات المقاتلة ..
و يذكر طه الهاشمي في مذكراته بأن النقاش قد احتدم بسبب انتقاد الهاشمي للخطط التي أمر بها الملك عبد الله ... و هدد الملك عبد الله الفريق الهاشمي بالصفع عندما احتدم النقاش بينه و بين غلوب باشا.. و كاد يصفعه فعلا لولا تدخل الرئيس القوتلي ...
بقي الملك عبد الله مصرا على موقفه و تنفيذ ما يريده هو .. لا ما تمليه الاعتبارات العسكرية لمسرح العمليات .. و انفض الاجتماع دون جدوى ..
أصدر مجلس الأمن قراره بوقف اطلاق النار في 29 أيار 1948 قبلته اسرائيل على الفور .. لكن اطلاق النار لم يتوقف فعليا الا في 11 حزيران .. و كانت هذه هي الهدنة الأولى.
تجدد القتال في 9 تموز .. لكنه عاد و توقف بعد تهديدات من مجلس الأمن في 18 تموز 1948 .. و كانت هذه الهدنة الثانية .. عنوان النكبة الفلسطينية ..
الصورة الأولى : مؤتمر الخيمة على الحدود السورية الأردنية ..
الصورة الثانية : اللواء عبد الله عطفة قائد الجيش السوري عام 1948
الصورة الثالثة : الزعيم حسني الزعيم قائد الجبهة مع بعض الضباط خلال المعارك
الصورة الرابعة : جسر بنات يعقوب يتعرض لقصف الجيش السوري قبل عبوره في 16/5/1948